السيد البجنوردي
382
منتهى الأصول ( طبع جديد )
وجود الاستحباب والإباحة سابقا ثمّ الشكّ في بقائهما حتّى يكون مجرى للاستصحاب ، بل يكون احتمالهما احتمال حدوث لا احتمال بقاء . وإن كان المراد منهما منشأ اعتبارهما - أي الرضا بالفعل وطلبه - فحينئذ تارة نقول : بأنّ الفرق بين الاستحباب والوجوب بشدّة الطلب وضعفه . وأخرى نقول : بأنّ مرتبة الطلب فيهما واحدة ، وإنّما الفرق بينهما بأنّه في الاستحباب رخّص في الترك دون الوجوب . فالوجوب عبارة عن نفس الطلب ولا يحتاج بيانه إلى مئونة أخرى ، بخلاف الاستحباب فإنّ بيانه يحتاج إلى مئونة أخرى زائدا على الطلب ، وهو الترخيص في الترك ؛ ولذلك إطلاق صيغة الأمر يقتضي الوجوب ، فإنّ شأن الإطلاق دائما هو إثبات ما لا يحتاج في مقام البيان إلى مئونة زائدة ونفي ما يحتاج إليها ، وأمّا الرضا بالفعل ، الذي هو يمكن أن يكون منشأ الإباحة فليس فيه طلب أصلا ، بل الرضا بالفعل وجوازه يجتمع مع إلزام الفعل وعدمه ، ورجحانه وعدمه . فإن قلنا بالأوّل : فإنّه من الممكن ثبوتا ارتفاع الطلب الشديد وبقاء مرتبة ضعيفة منه ؛ لأنّ الإرادة الشديدة - مثل سائر الكيفيات - المقولة بالتشكيك ، يمكن أن تزول مرتبة منها مع بقاء مرتبة أخرى منها ، وذلك مثل الثوب الأسود الحالك الشديد السواد إذا غسل بالماء يمكن أن تزول منه مرتبة من السواد ، وتبقى مرتبة ضعيفة منه . هذا بحسب مقام الثبوت . وأمّا بحسب مقام الإثبات فظاهر إطلاق الدليل الناسخ هو ارتفاع جميع مراتب الإرادة الشديدة ، التي هي منشأ اعتبار الوجوب ؛ وذلك لما ذكرنا آنفا من أنّ شأن الإطلاق دائما إثبات ما لا يحتاج بيانه إلى مئونة زائدة ونفي ما يحتاج إلى ذلك .